رسالة إلى كاتب ظالم لنفسه (نعم، أعنيك أنت)

كتابتك المحترفة

•

عبدالله بن عمر

كتابتك المحترفة

•

عبدالله بن عمر

العمل مع الكتّاب هو محور حياتي منذ سنوات، هم الغالبية الساحقة ممن أقابلهم وأصادقهم وأتعامل معهم، مرّ بي مئات من هؤلاء الكتاب، تعاملت معهم في برامج تحول مطولة، عايشتهم وقرأت نصوصهم ونفوسهم في آن، وقد رأيتُ فيهم كثيراً من المحامد والمناقب والمزايا.. وهو ما يجعلني سعيداً جداً بالتعامل معهم.

لكن هناك شيئاً يزعجني، ويوجعني، وأحياناً يغضبني ويحبطني، وهو ما أريد افتتاح هذا الموقع بالحديث عنه بشكل لا تنقصه الصراحة ولا يعوزه الصدق.

الكاتب القانع بالدون:

أتذكر بيتاً قرأتُه وأنا بعدُ صبي، فوقع مني موقعاً حسناً:

إذا ما علا المرء رام العلا      ويقنع بالدون من كان دونا

وكنت مقتنعاً بهذا البيت اقتناعاً شديداً، وكنت أرى فيه شيئاً رائعاً يوقظ الحماس ويشعل الإرادة.. ولكني صرت متردداً بشأنه حين تكرر عليّ مشهدٌ ما، مشهدٌ واحدٌ في جوهره، وإن كانت له مظاهر متعددة: وهو مشهد الكاتب الذي يستحقّ وضعاً أحسن بكثير من وضعه الحالي، ثم هو مقتنع بأنه لا يستحق إلا أن يكون دوناً.

وهذه القناعة تظهر بوضوح شديد في حال الكاتب السائب، وسأضع لك ثلاثة أمثلة، ربما تعرفها في كاتب ما، (ربما يكون هذا الكاتب هو أنت):

كاتب نزر الكتابة جداً، مع أنه يملك مؤهلات الكتابة الجيدة، من التأهيل اللغوي الجيد، والتأهيل المعرفي الجيد، فهو يتعلّم كما يفعل العلماء والأدباء، ثم يعامل قلمه كما يفعل العوام! لأنه مقتنع أنه لا يستحق أن يكتب فيفيد الناس!

كاتب يكتب كثيراً، لكن كتاباته حباتٌ من خرزٍ غير منتظم، لا يجمعها سياق، ولا يؤطرها مشروع، ولا يتلهّف لها قارئ واحد، لأنه يحسب أن الأسلم له أن يقدم ملحاً ولطائف خفيفة بدل أن يصوغ منهجياتٍ ذات وزن ثقيل، أو لأنه يرى نفسه أقل من أن يشار إليه بالبنان ويُنظر إليه كما يُنظر إلى الخبراء والمختصين.

كاتبٌ لا يتحكم بمزاجه، بل يتحكم به مزاجه، فهو يقبل على الكتابة أياماً، ثم يدبر عنها أسابيع وشهوراً، فهو يرى أنه أقلّ شأناً من أن يأخذ الكتاب بقوة.

لا أحصي كم مر بي من كتّاب لا تنقصهم اللغة العالية، ولا المعرف الفريدة، ولا يمكن إطلاقاً أن أتهمهم بالكسل، أو أظن بهم نقصاً في القدرة، لكني أستطيع إدانتهم بـ"جريمة" هي القاسم المشترك بينهم، وهي أنهم يضعون أنفسهم في مواضع "دون" ما يستحقون.. فيرضون لأنفسهم أن يكونوا كتاباً سائبين، بدل أن يكونوا أعلاماً مؤثرين.

وهذا يؤلمني كثيراً..

لماذا يرضى الكاتب البارع بالكتابة السائبة؟

إن كنتَ من هذا النوع من الكتّآب الذينَ وصفتُهم أعلاه.. فربما يكون هناك ما يدفعك إلى الإحساس بأن عليك أن تظل في حال أقلّ ما ينبغي لك، ومما يمكنك أن تفعله..

ربما أنت لا تدرك أنك كاتب موهوب أصلاً، وهذا أمرٌ شائع جداً بين الموهوبين! لا يدركون موهبتهم.. وسأتناول هذا الأمر في مقال لاحق بعنوان (لماذا لا يدرك الكاتب الموهوب أنه موهوب؟).

ربما أنت تعلم جيداً أنك كاتب موهوب، لكنك تملك رفاهية الاستغناء عن الاعتماد على كتابتك والاستناد إليها لتحسين حالك أو تغيير وضعك، فأنت لن تموت من الجوع ولا من البرد، ولست مفلساً بما يكفي لتفتش في دفاترك القديمة كما يفعل التاجر المفلس باحثاً عن ديون له على الناس! أو لست في وضع الغريق الذي يبحث عن أي قشة متاحة ليتشبث بها! (أعرف هذه الحال جيداً لأني عشتُها).

ربما تعلم أنك كاتب موهوب، ولكنك تظنّ أن الكتابة لن تسهم كثيراً في تغيير حالك إلى الأفضل، وهذا يشبه أن يملك محاربٌ ما سلاحاً قادراً على ردع عدوه؛ لكنه ذاهلٌ عنه غافل عن فعاليته.

ربما تعلم أنك كاتب موهوب، وتعلم أن الكتابة يمكن أن تسهم كثيراً في تغيير حالك إلى الأفضل، ولكنك لا تعرف كيف تصل إلى هذه النتيجة؟! وربما حاولت مراراً لكن محاولاتك لم تفلح.

ربما تعلم أنك كاتب موهوب، وتعلم أن الكتابة يمكن أن تسهم كثيراً في تغيير حالك إلى الأفضل، وتعرف السبيل إلى ذلك التغيير، ولكنك لست مستعداً له بعد.. أياً تكن الأمور التي تجعلك غير مستعد.. (وهذا أمرٌ سأحدثك عنه بالتفصيل كذلك في مقالة لاحقة).

ربما تظنّ أن السبيل إلى تغيير حالك يعني أن تتحول فتصبح شخصاً آخر تحبه، شخصاً يتحمل المسؤولية عن نفسه بحق، فيقرأ بجدية، ويتعلم بانضباط،  ويكتب بكثافة، ويتحمل مسؤولية أن يكون قائداً لمجتمع من المتعلمين، ويتحمل مسؤولية تقديم الخدمة المميز مقابل المال الذي يتلقاه، ويتحمل مسؤولية المخاطرة بالتخصص، والمخاطرة بمخاطبة قارئ محدد جداً بدل الأمان الذي يمنحه الركون إلى السعة والتنوع الضخم في الاهتمامات والقراء…

أو ربما تظن أن السبيل إلى تغيير حالك يعني أن تصبح إنساناً لا تحبه.. شخصاً مهرجاً، ثقيلاً على قلوب الناس، مسوقاً (نعم، كثيرون يرون التسويق لأنفسهم نوعاً من التهريج، وأنا أعذرهم نوعاً ما، ومن جديد، أعدك أن أحدثك عن هذا لاحقاً بالتفصيل في مقالةٍ لاحقة).

هذه سبعة أسباب تعطلك، أو تؤخرك عن أن تصبح كاتباً مؤثراً، وتضيّع عليك سنوات من عمرك.. ما لم تعرف كيف تواجهها، وأنا أعرف هذه الأسباب جيداً، لسبب واحد، هو أنها كانت كلها قد اجتمعت في شخص واحد أعرفه، هو أنا! وقد أمضيت عشرين عاماً وأنا أواجه هذه العقبات واحدة واحدة، وأعانيها وأقاسي من لأوائها ما الله به عليم.. وقد أفنيت في سبيل ذلك وقتاً طويلاً، وجهداً ضخماً، ومالاً جزيلاً، ثم رأيت العشرات والعشرات من الكتّاب وهم يعانون هذه الأسباب السبعة، ولا أعدّ مبالغاً لو قلتُ لك إني رأيت المئات والمئات من الكتّاب الذين يواجهونها، ولولا أني لا أريد أن أروّج لبضاعتي بالحلف لحلفت لك إحدى وخمسين مرةً! 

لهذا أنا هنا، ولهذا أنت هنا!

إن كنتَ من هذا النوع من الكتّآب الذينَ وصفتُهم أعلاه، فسأحدثك عن شكل حياتي بعد أن تجاوزتُ هذه العقبات السبع السالفة: 

أنا اليوم كاتب، أستطيع أن أعرّف نفسي كاتباً دون أن أشعر أني أبالغ أو أكذب أو أحتال أو أخدع نفسي أو غيري. لدي نظامٌ للكتابة، هو غير مثالي، لكنه فعّالٌ بحمد الله.. أي أن حياتي اليومية تؤكد لي قبل غيري أنني كاتب حقيقةً لا ادعاءً.

أنا اليومَ كاتب متخصص، أعرف قارئي المثالي، وهو كل كاتب يحسن الكتابة لكنه لم ينتصر بعد على العقبات السبع التي شرحتُها لك آنفاً، أعرف هذا القارئ جيداً، أعرف أهدافه وأحلامه، وأعرف كيف أساعده على تحقيقها، أعرف أوجاعه وآلامه، وأعرف كيف أساعده على تخطيها، أعرف حماقاته وأوهامه، وأعرف كيف أداويه منها.

وأعوذ بالله من كلمة "أنا" ما لم تكن في سياق أن أجعل من نفسي عبرةً أمامك، ووسيلةَ إيضاحٍ بشرية في فصل تعليمي، أنا اليومَ كاتبٌ يعيش من مشروعه الكتابي، الخيار في يدي، أستطيع أن أعمل في وظيفةٍ أحبها، وأستطيع أن أستقيل منها، لأنها ستكون مصدر دخل إضافي ومساحة تجربة محببة، لا اضطراراً، تنقلت بين ثمان دول في ست سنوات وأنا أعيش من مشروعي الكتابي، لذا.. أعرف جيداً، وأعيش يومياً، معنى أن يكون للمرء عمله الخاص المنبثق من قلمه، الحرية رائعة رغم ضرائبها!

وأعوذ بالله من كلمة "أنا" مرة أخرى ما لم تكن في إطار التحدث بنعمة الله، ويا لها من نعمة عظيمةٍ: أن تجد نفسك على رأس مجتمع من الكتّاب الجادّين الراغبين في التعلّم، فيجبرك ذلك على أن تكون متعلماً ما دمت تتنفس.. تخشى أن تتراخى عن التعلّم فلا يجد لديك أولئك المتعلمون جديداً، فيخيب أملهم فيك، فيخيب أملك في نفسك.. أنا اليوم متعلم بالضرورة، ومحكوم عليّ أن أكون متعلماً مدى الحياة، وهذا وضع رائع أنا سعيد به.

وأنا هنا، كي أساعدك على أن تصل إلى ما وصلتُ إليه، لكن في وقتٍ أقل، وبفعالية أكبر، ودون أن تضيع من عمرك عشرين عاماً في المحاولة والخطأ، وهدفي في هذه المقالات أن أضع بين يديك كل ما أعرف كي أختصر عليك طريق التخلص من حال الكاتب السائب إلى حال الكاتب حقاً، الكاتب الجاد في صلته بالكتابة، الكاتب المتخصص، الذي يفيد قارئه، والذي يبني مشروعه الكتابي الفريد والمؤثر والمربح.

والخيار في يدك.. أن تعود أدراجك لتكمل ما كنت تفعله.. أو أن تستفيد مما أكتبه لك هنا، ولن تجد فيه بإذن الله لغواً ولا كذّابا!

رسالة واحدة قد تغير مسارك!

كل يوم أربعاء، أرسل مقالاً واحداً دسماً أشارك فيه خلاصة خبرتي في الكتابة، وبناء الجمهور، وصناعة المشروع الكتابي.

جميع الحقوق محفوظة 2026©

رسالة واحدة قد تغير مسارك!

كل يوم أربعاء، أرسل مقالاً واحداً دسماً أشارك فيه خلاصة خبرتي في الكتابة، وبناء الجمهور، وصناعة المشروع الكتابي.

جميع الحقوق محفوظة 2026©

رسالة واحدة قد تغير مسارك!

كل يوم أربعاء، أرسل مقالاً واحداً دسماً أشارك فيه خلاصة خبرتي في الكتابة، وبناء الجمهور، وصناعة المشروع الكتابي.

جميع الحقوق محفوظة - عبدالله بن عمر 2026©