ما الكتابة المحترفة؟ (منظومة الجيمات الثلاث)

ما رأيك أن أبدأ هذه المقالة بأن أجعل من نفسي أضحوكة؟
كنت أحسب -وأنا بعد صبي- أن الكاتب المحترف هو من لا أستطيع فهمه.. لأن ألفاظه عسرة، وتراكيبه معقدة، تدل على أنه رائع وأن كل قارئ له تنبل وأهبل! حتى وقعت مرة على كتاب "صور وخواطر" للطنطاوي، فإذا بي أقرأ شيئاً مدهشاً.. سهلٌ غاية السهولة، وماتع غاية الإمتاع، وسام حتى منتهى السمو! فعرفت أن تعريفي للكاتب المحترف كان بعيداً عن الصواب.
وصار الطنطاوي رحمه الله معياري للكاتب المحترف، فصرت أحسب أن الكاتب المحترف يجب أن يكون موسوعياً، واسع المعرفة، له في كل زاوية جناح، وله مشاركة في كل فن، وبوسعه أن يكتب متدفقاً عن القنبلة النووية كما يكتب عن شرح الإمام النووي لصحيح مسلم، حتى تعرفت على المسيري، فوجدته صاحب معرفة عميقة بمساحات من العلم، وقرأت له اعترافاً في سيرته بأنه ضحل المعرفة بالتراث العربي.. فعلمت أ٫ الكاتب يمكن أن يكون محترفاً دون أن يكون موسوعيا.
وكنت أحسب أن الكاتب المحترف فنان غريب الأطوار، ينشط للكتابة حيناً فيأتي بالعجب العاجب، ثم يفتر عنها فيصبح كلّاً على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير! حتى عرفت أن نجيب محفوظ، أعظم من كتب الرواية بالعربية، كان يكتب ثلاث ساعات في اليوم، خمسة أيام في الأسبوع، ستة أشهر في السنة، فعلمت أن الكاتب يمكن أن يكون محترفاً دون أن يكون أسير الإلهام والكلام الفاضي..
وأخذ تعريف الكاتب المحترف يتغير في دماغي كما تتناقض تصريحات البرتقالي ترامب، فصرت أعده مرةً من يجني المال من الكتابة، وصرت أعده مرةً من يكتب النص مثالياً من المرة الأولى، ولا يحتاج إلى مراجعة أو تحرير.. وصرت أعدّه مرةً من يستطيع أخذ أفكار الآخرين، وتغليفها بلغة أنيقة، وتقديمها كأنها جديدة، وصرت أعده مرة من يكتب كثيراً.. وهكذا.
كنتُ كذلك، وكل ما كنت أظنه لم يكن صحيحاً، وإن كان فيه صحة فهو ملتبس بغلط.. والأمر يقتضي بعض التوضيح.. فلنشرع على بركة الله:
هل رأيت لوحة ألوان متدرجة من قبل؟ هل تستطيع أن تضع خطاً تقول عنده: هنا ينتهي اللون البرتقالي ويبدأ اللون الأصفر؟
هكذا يبدو الأمر حين يحاول المرء التفريق بين الكاتب المحترف وبين من لم يصبح كذلك.. ليس هناك خط يمكن وضعه بالمسطرة، ولكن هناك مؤشرات تدل على أن الكاتب محترف.
ولأني أحدثك هنا عن المشروع الكتابي، ولأن تعريفي للمشروع الكتابي هو: "كتابة محترفة، لقارئ واحد، لها أثر يُلمس، ولها قيمة تُستثمر"؛ فإن تحديد مؤشرات الكتابة المحترفة مهمةٌ ثقيلةٌ، لا بد لي من الاضطلاع بها.
ولقد قادني التفكر الطويل إلى وضع مؤشرات ثلاثة للكتابة المحترفة، تكون قائدة للكتاب الملتحقين بحاضنة التحول الكتابي، وتكون قابلة للقياس، وهذه المعايير الثلاثة هي:
الجودة، والجدّية، والجدّة.. وسوف أشرحها لك بإجمال هنا، على أن أوافيك بالتفاصيل في مقالات مطولة لكل واحد من هذه المعايير:
الجودة في المكتوب:
الجودةُ مفهوم نسبي كما تعلم، لكن ثمة قدراً منها يمكن اعتباره شرطاً ضرورياً (يلزم من عدمه العدم) وفق المنهجية التي أبشّر بها وأتبناها..
• الحد الأدنى من السلامة اللغوية: وهو أن يخلو المكتوب من الأغلاط اللغوية الفاحشة، والتهافت الأسلوبي الذي يدل على أن هذا الكاتب ضعيف الحظ جداً من اللغة. وليس المطلوب هنا أن يصبح الكاتب سيبويه، بل أن يكون ما يكتبه سليماً لغوياً قدر المستطاع.
• الحد الأدنى من صحة الكتابة إملائياً: فيكون المكتوب قليل الأغلاط الإملائية، ويكون كذلك مرصوفاً بشكل سليم من حيث المحاذاة وتوزيع الكلمات على الفقرات والجمل.
• الحد الأدنى من الأسلوب الشخصي: أي أن يكون المكتوب مصنوعاً بيد الكاتب لا نتيجةً لعمل الذكاء الاصطناعي، الذي تفوح منه رائحة النمطية التي يشمها القارئ من مسيرة ثلاثين ميلاً.
الجدية في الكاتب:
الكتابة مهمةٌ عسرة في الحقيقة، لا أستطيع تجميل شيء يستحيل تجميله، والمنهجية التي أبشر بها تقتضي من الكاتب ممارسة كثيفة، ولا يمكن للممارسة الكثيفة للكتابة أن تفلح ما لم يكن الكاتب جاداً بشأن مشروعه الكتابي.. وهذه الجدّية تعني أمورا.. منها:
• الحد الأدنى من وضوح القرار بشأن الكتابة: فالكاتب الجادّ يعرف لماذا يريد أن يكتب، وللكتابة حظ معلوم من موارده المختلفة: الوقت، والجهد، والعلاقات، والتفكير.
• الحد الأدنى من الانضباط الكتابي: والانضباط يعني أن يوجب الكاتب على نفسه أوقاتاً محددةً لممارسة الكتابة، ثم يلتزم بهذه الكتابة التزاماً صارماً، بغض النظر عن شعوره تجاه ذلك الالتزام.
الجِدّة في التموضع:
التموضع هو الإطار الذي تحاصر فيه نفسك باختيارك، وصيغة التموضع الكاملة وفق منهجية التحول الكتابي هي: أن تقول: (أساعد الكاتب الفلاني، على تحقيق الهدف الفلاني، بواسطة الوصفة الفلانية)، وأنت متأكد أنه لا يوجد في هذا الكوكب أحد، على حد علمك، يقوم بما تقوم به.
أما الجدّة في التموضع، فهي أن يكون هذا التموضع جديداً، وحبذا أن يكون هو الأول من نوعه في العالم ولو على وجه من الوجوه.
أي أن تقول: (أساعد الكاتب الفلاني، على تحقيق الهدف الفلاني، بواسطة الوصفة الفلانية)، وأنت متأكد أنه لا يوجد في هذا الكوكب أحد، على حد علمك، يقوم بما تقوم به.
لأنك يستحيل أن تقدم شيئاً لا يحتوي على مكونات سابقة، كما لا يجدي أن يكون ما تقدمه تكراراً لجهود الآخرين أو إعاد صياغة له وحسب.. بل عليك أن تبحث عن مشكلة لم يحلها أحد من قبلك بالطريقة التي لديك، وأن تتحقق من وجودها في قارئ ما، ثم توفر نفسك من أجل الكتابة لذلك القارئ كي تعينه على حل تلك المشكلة.
ربما تجد على سبيل المثال كثيراً من المستشارين والخبراء الذي يساعدون الموظف الجديد على تحسين كتابة سيرته الذاتية، ولكنك لن تجد مهما بحثت مستشاراً متخصصاً في الاستقالة من العمل إلا خديجة بابكر، خريجة حاضنة التحول الكتابي، ولدى خديجة منهجية ابتكرتها، لن تجدها عند غيرها.
ثم أما بعد:
فهذه الجيمات الثلاث: جودة المكتوب، وجديّة الكاتب، وجدّة التموضع، هي ثالوث الاحتراف وفق مواصفات منهجية التحول الكتابي، وبهذا سيكون لديك سهم ماض، ولكنّ السهم بحاجة إلى هدفٍ تصيبه بدقة.. هذا الهدف هو قارئك المثالي، الذي كتبت لك عنه هذه المقالة، فطالعها إن شئت.
وحين تتحقق هذه الجيمات الثلاث، فإن أساس مشروعك الكتابي سيكون متيناً، وإنتاجك سيكون كثيفاً، وجودة ما تكتبه ستكون أحسن وأحسن بمرور الزمان، وستلاحظ أنت وقارئك أنكما معاً ترتقيان وتتطوران.
وفقك الله وأسعدك ونفع بك.
