متى يصبح مشروعك الكتابي مؤهلاً للاستثمار؟

تحذير: هذا المقال يداعب الأحلام، وقد يملؤك بوهمٍ لذيذ.. فاحذر أن تستسلم طويلاً للوهم!
أريدك أن تتخيل معي مدينةً ضخمة مترامية الأطراف، اسمها مدينة الكتابة، فيها دارٌ لكل كاتب على ظهر هذه البسيطة.
هذه الدار مكونة من خمس طوابق، طابق أرضي، وأربع طوابق علوية.
في الطابق الأرضي: يوجد النظام الذي يغذي هذه الدار بالطاقة، والطاقة هنا مزيج من الملكة اللغوية، والمعرفة التخصصية، والممارسة والانضباط.
أما الطابق الأول، فهو المكتب، الذي يحدد فيه الكاتب معالم مشروعه الكتابي، ويختار تموضعه، ويدرس أحوال جيرانه من الكتّاب الذين يعملون في المجال نفسه، ويقرر أن يصبح تموضعه فريداً غير مسبوق..
وإن صعدنا إلى الطابق الثاني، فسنجد فيه المجلس، حيث يستقبل الكاتب قارئه المثالي، ويفهم واقعه وطموحاته وآلامه وأوهامه..
ولو توجهنا للطابق الثالث؛ فسنجد فيه المتحف الذي يوثّق أثر الكتابة على الكاتب والقارئ.. نجد أثر التمركز، وتراكم الخبرة المتخصصة، وقصص النجاح التي أحدثتها الكتابة، والسمعة الطيبة لدى المستفيدين والمهتمين، والثقة التي يحظى بها الكاتب..
والآن سأخبرك عمّا سيحدث معك أيها الكاتب لو طبّقت منهجية التحوّل الكتابي..
ستكون هذه الدار، بطوابقها المختلفة التي ذكرتها لك، مثل خلية النحل، وستكون أنت النحلة..
تضخ مزيداً من الطاقة في نظامك، بتعزيز عادة الكتابة اليومية، وتحسين ملكتك اللغوية، ستصعد للطابق الأول وترسم تموضعك، ثم تصعد للطابق الثاني وتتعرف إلى قارئك.. ثم تنزل إلى الطابق الأرصي مجدداً لتتعلم من أجل قارئك، ثم تصعد من جديد إلى الطابق الثالث لتحدثه على هيئة "محتوى"، ثم تصعد إلى المتحف في الطابق الثالث فتوثّق الأثر الذي تركته جولاتك هذه عليك، وعلى قارئك..
ويستمر هذا الأمر مدة من الزمن.. فتتراكم أمور عظيمة، هي التي ستنتج بمجموعها: "القيمة" التي تستحق الاستثمار:
• هويتك: أنت كاتب، كاتبٌ حقيقة لا مجازاً، تشعر في قرارة نفسك أنك كاتب، تمارس الكتابة بانتظام، وتحسّنها باطّراد.
• تموضعك: أنت متخصص، مرابط في ثغر واحد لا يزاحمك فيه أحد، وهذا التموضع بحد ذاته قوة، وكل يومٍ يمضي عليك وأنت لا تزال ترفع راية التخصص = يزيدك قوة إلى قوتك، في وعيك بنفسك، وفي وعي الناس بك.
• قارئك: لك قارئ واضح جداً، محدد بدقة، أي أنك لا تستهدف معظم الناس، وهذا ما يجعلك ملتقىً لأفراد متجانسين، تعرفهم وتفهمهم، ويثقون بك، ويصعب أن يعرفوا بعضهم إلا من خلالك.
• مكتوباتك: لديك مكتبةٌ من "المحتوى" المتراكم والمنظم، وعشرات من النصوص التي كتبتها لقارئك: حلول لمشكلاته، خرائط طريق لأحلامه، تصحيحات لأوهامه. هذه المكتبة هي براهين خبرتك ونجاعة حلولك، وهي كذلك المادة الخام لمنتجاتك القادمة.
• براهينك: لديك شهادات وقصص من تجربتك الشخصية، ومن تجارب قرائك الذين طبقوا ما كتبته فتغيرت حياتهم.. وهذا يمنحك مصداقية ضخمةً جداً في ذهن من لا يعرفك.
كل هذا يصنع قيمةً هائلة.. وهي قيمة قابلة لأن تتضاعف عشرات المرات حين تقدم على صياغة وصفة التحوّل، الحقيقة الواحدة الكبيرة التي هي مجموع كل الحقائق الصغيرة، منهجية واضحة، يسهل أن تبرهنها بنتائج واقعية.. وتختبر قدرتها على إيصال القارئ من حيث هو إلى حيث يتمنى.
ولأن الحديث عن "وصفة التحول" هو الحديث عن سلاحك الإستراتيجي في منهجية التحول الكتابي، فإني سأفرد لها مقالة أو مقالات في المستقبل بإذن الله.
أعتد إلى مكونات القيمة التي حدثتك عنها قبل قليل، هويتك، وتموضعك، وقارئك، ومكتوباتك، وبراهين جدوى ما تكتبه.. هذه هي المفاتيح الخمسة التي تجعل مشروعك الكتابي مؤهلاً للاستثمار..
ومكان الاستثمار هو الطابق العلوي في دارك نفسها.. بدلاً من أن يكون ذلك الطابق سطحاً مهجوراً، لا يستفاد منه إلا في تجفيف الملابس وتخزين "الكراكيب"، سيتحول ذلك الطابق إلى مقهى، يصعد إليه الزوار من الطابق الثاني، ويتعرّفون على أناس رائعين يشاركونهم الاهتمام والأحلام والآلام.. ويشربون من قهوتك الفريدة المعدّةِ وفق وصفتك المبتكرة..ويدفعون المال راضين.. مقابل القهوة الرائعة، والرفقة الجيدة، والخدمة المميزة..ثم ينزلون إلى الطابق الثالث فيكتبون عن تجربتهم الفريدة معك.
هذا هو طابق الاستثمار.. وهو استثمار عظيم وجميل وجليل.. في الآخرة كما في الدنيا..
وسأبدأ باستثمار الآخرة، لأنه أعظم وأجل..
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم، تطرد عنه جوعاً أو تقضي عنه ديناً، ولأن أمشي في حاجة أخي أحب إليّ من أعتكف في هذا المسجد شهراً… ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له؛ أثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام".
وهذا الحديث ينطبق عليك أيها الكاتب صاحب المشروع:
فأنت حين تكون متخصصاً؛ لا تكون نافعاً وحسب، بل تكون من أنفع الناس للناس، لأنك ستقدم أعظم النفع وأكبر الفائدة لقارئك الذي اخترت أن تخدمه.
وأنت حين تكتب لقارئك نصوصاً مبنية على فهمك العميق لما يدور في نفسه، وإدراكك لما يواجهه من مشكلات، وتعاملك مع ما يواجهه من عوائق؛ تدخل عليه السرور حقاً.
وأنت حين تقدّم له وصفتك، وتحتوي هذه الوصفة على حلول مالية (كما هي وصفتي التي تساعدك على بناء مصدر دخل) فإنك تطرد عن قارئك جوعاً، وتقضي له ديناً..
وأنت حين ترافق قارئك من حيث هو الآن إلى حيث يريد الوصول، فأنت تمشي معه في حاجته حتى تثبتها له..
فيكون من نتيجة هذا الاستثمار الأخروي: أن تكون من أحب الناس إلى الله، وأن تنال أجراً عظيماً أعظم من أجر المعتكف في المسجد النبوي الشريف شهراً، مقابل كل حاجة تؤديها لقارئك، (هذا ظني بالله، وهو أكرم الأكرمين، وهو يحب المحسنين، وأحسب أن هذه الوصفة من الإحسان في الكتابة)، وأن تيثبّت الله قدميك يوم تزول الأقدام. فأي استثمار أعظم من هذا؟!
أما استثمار الدنيا، فإن مشروعك الكتابي حين يكتمل بناؤه، سيثمر أموراً تعود عليك بعوائد مالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وسأضع بينن يديك أمثلة على هذا اللون من العوائد:
• علامتك التجارية الشخصية: أصلك الأثمن.. مشروعك الكتابي يجعل لاسمك وزناً ثقيلاً في مساحة اختصاصك، ويرفعك إلى مصاف النخبة المؤثرة، هذا يعني أن تصبح الضيف الحاضر في المحافل والمؤتمرات ذات الصلة بتخصصك، (سواء أكان مقابل ذلك الحضور مالياً أو كان توسيعاً لشبكة علاقاتك، التي هي أثمن من المال بكثير..) وأن تكون المتحدث الموثوق في البرامج الحوارية، وأن تكون الكاتب الذي تتسابق الصحف والمجلات المهتمة بمجالك إلى استكتابك، علامتك تجعل قولك مقبولاً، وتوجيهك مصدقاً، والثقة بك تحصيل حاصل.
• منتجاتك الإبداعية، سواء منها ما كان ملموساً أو ما كان رقمياً، فتقدم لجمهورك أدوات يدفعون المال لشرائها لأنها تحل مشاكلهم؛ مثل أن تصمم أجندة مخصصة لتنظيم وقت فئتك المستهدفة، أو دليلاً إرشادياً مكثفاً في هيئة كتيب رقمي، أو قوالب جاهزة للعمل، أو تؤلف كتاباً مطبوعاً يوثق منهجيتك ويصبح سفيراً لك على أرفف المكتبات.
• خدماتك المعرفية المباشرة: يقرأ الناس لك ويثقون برأيك؛ فيطلبون منك تطبيق هذا الفهم على حالاتهم الخاصة.. وهذا ما تبرره الاستشارات المدفوعة، والتقارير التخصصية للشركات، وبوسعك كذلك تقديم خدمات التنفيذ نيابة عن العميل بأسعار مضاعفة لمن لا يملك الوقت لتطبيق منهجيتك بنفسه.
• مجتمعك الرقمي المدفوع، الذي يجمع قراءك المثاليين في مساحة رقمية واحدة، مقابل اشتراك شهري أو فصلي أو سنوي، وفي هذا المجتمع تصبح السلعة هي الرفقة، والجرعات التعليمية، وإمكان الوصول إليك وإلى أشخاص يشبهونك.
• برنامجك التعليمي التحويلي، وهو درة التاج في الاستثمار الدنيوي. هنا ترافق قارئك في رحلة مصممة بعناية، من نقطة محددة إلى نقطة محددة، تكون معه معلماً ومرشداً ومستشاراً، تقدم له الدرس المسجل، واللقاء المباشر، والاستشارة، والدعم متى احتاج إلى ذلك.
• الشراكات والرعايات الناتجة عن اتضاح تموضعك وتقاطعه مع مصالح أصحاب العلامات التجارية المحتلفة، التي قد ترعى نشرتك البريدية، أو مقالاتك، أو قناتك على يوتيوب، أو تشتري مقاعد في برنامجك، ويفتح لك هذا أبواباً من العمل المثمر والرزق الطيب.
مشروعك الكتابي إذن يمكن أن يكون واعداً، مثمراً، مربحاً.. لكنّ لك عدوّين لدودين، أحدثك عنهما الآن بإيجاز، وأفصّل لك الحديث عن كل منهما في مقالة مستقلة بتوفيق الله.
عدوك الأول هو الاستعجال المفرط: أن تقفز للاستثمار وأنت لا تملك على الحقيقة ما تستثمره.. أو لا تملك قارئاً يثق بك، لأنك لم تبذل جهدك في الوصول إليه، أو بذلت جهداً خاطئاً لم يحقق لك القراء الذين يليقون بك وتليق بهم، أو أن تحاول إثبات وجودك بدعاوى أكبر من مقاسك.. هذا الاستعجال هو الطريقة المثلى لحرق اسمك وعلامتك وإسقاطك من عين قارئك المخلص.
ولأن بناء الخبرة يقتضي عملاً حقيقياً وتجربةً واقعيةً، فإن في الكتّاب من يلجأ إلى شيء يجعله "يبدو" خبيراً.. بأن يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يتصرف كخبير، وأن ينتج له محتوى يقدمه للناس.. وهذا من الغش الحامض، والتوصّل إلى أكل أموال الناس بالباطل. وأول ضحيةٍ لهذا اللون من الغش هو أنت أيها الكاتب.. لأن هذا اللون من العلم "المستعار" لن يجعلك خبيراً، ولن يمكّنك من اكتساب ملَكة الخبير الذي يستطيع أن يحكم بظنّه في المشكلات الجديدة، فيكون حكمه صائباً، لأن كثرة المراس أكسبته حدساً ثاقباً وبصيرةً نافذة.
أما عدوّك الثاني فهو البطء المفرط: الذي يعني التأجيل المستمرّ لمواجهة استحقاقات الاستثمار، وهو في أحيان كثيرة نتيجة لإحساسك "الصادق أو الوهمي" بأنك غير مؤهّل لاستثمار معرفتك، وهو ما يسمّى "متلازمة المحتال" أجارني الله وإياك منها!
تراكم القيمة لا يحصل بين عشية وضحاها، ولكن لا يلزم أن تظلّ القيمة تتراكم مدى الحياة.. فلا تسمح لنفسك بالنمو الذي ينتج عن استثمار قيمة مشروعك الكتابي.. وهو نمو متعدد الأبعاد، سأحدثك عنه في مقالة مستقلة أيضاً بتوفيق الله.
