مشروعك الكتابي يؤثر عليك ويؤثر على قارئك

أثرك الملموس

•

عبدالله بن عمر

أثرك الملموس

•

عبدالله بن عمر

قبل بضعة عشر عاماً، طلبت مني إحدى المؤسسات تنفيذ مهمة كتابية، استغرقت مني المهمة وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً، لدرجة أني احتجت إلى الاعتزال لأيام في فندق ما، كي أنجز المراحل الأخيرة من المهمة قبل تسليمها.

كان المطلوب هو كتابة محتوى تعليمي لمشروع معين، مكون من أكثر من مئة نص صغير، لا أتذكر العدد بالتحديد وإن كنت أتذكر شعوري بالإعياء وأنا أتحوّل إلى آلة كتابة، كي أستطيع إنجاز المهمة وتسليمها في ميعادها.

ذات يومٍ طرأت على ذهني فكرة ما، من وحي تلك المهمة.. تخيّلت نفسي وأنا لا أكتب إلا عن شيء واحد، وتخيلتُ القارئ يدخل صفحتي على فيسبوك، أو مدونتي، فلا يراني أكتب إلا في موضوع واحد.. 

ستسألني كيف كان شعوري تجاه ذلك الحال المتخيّل؟ 

وسأجيبك أن موقفي كان سيختلف في عام ٢٠١٤، عن ٢٠١٥، عن ٢٠٢٠، عن ٢٠٢٦.. وسأخبرك كيف سيختلف:

في عام ٢٠١٤: أشعر بالاختناق.. أقول لنفسي: أف! "الله لا يضيّق علينا"، لا شيء أحبّ إليّ من الحرية، أن أكتب متى شئت، عما شئت، كيفما شئت.. أن أكون موسوعياً ذكياً لا متخصصاً غبياً.. أن أكون مفتوح الباب أمام مختلف الفرص الكتابية التي تطرأ أمامي، دون أن أحصر نفسي في زاوية معينة.

في عام ٢٠١٥: أشعر أن هذا هو الوضع الطبيعي، لقد كنت العام الماضي غارقاً في الشتات، لكنني الآن أعرف جيداً ماذا أريد، وأستطيع أن أقول "لا" وبملء فمي لكل ما عدا ذلك.. الكتابة هي عالمي، لن أقرأ -تقريباً- إلا عن الكتابة، ولن أكتب إلا عنها، ولن أتحدث إلا عنها، وستكون هي شغلي الشاغل، ومركز اهتمامي، ومحور حياتي.

في عام ٢٠٢٠: هذا التخصص هو الأداة التي أنقذني الله بها من الغرق في بحر الإفلاس، ونفّس بها عني كربة ضيق ذات اليد، وجعلها بوابةً لي إلى حياة من اليسر والحرية.. لقد صرتُ أعيش من تعليم الكتابة، وصرت أجني ثمرة ممارسة الكتابة والقراءة الكثيفة عنها.

في عام ٢٠٢٦: أنا اليوم أساعد الكتّاب على أن يعرفوا ماذا يريدون من كتابتهم بالضبط، ولمن يكتبون بالتحديد، وكيف يتركون أعمق أثر في أنفسهم وفي قرائهم، وكيف يجعلون من كتابتهم "مشروعاً كتابياً" يوفر لهم الأجرة المجزية في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة إن صلحت النية.

وسأشرح لك الآن.. كيف كنتُ، وكيف صرتُ؟

الخطوة العظيمة التي لا تكفي

اليوم، أنظر إلى وضعي في عام ٢٠١٤، فأرى أني كنت في حالٍ يرثى لها.. كنتُ كاتباً سائباً، والكاتب السائب عملاقٌ مقيّد، وموهبة معطلة، وطاقة مهدرة.. هذا كان حالي، لكن أكثر ما أراه مؤسفاً في حالي تلك الأيام.. هو أني كنت سعيداً لكوني كاتباً سائباً!

كنتُ في ذلك التاريخ قد صدّقتُ -نوعاً ما- أني أكتب كتابةً جيدةً، لأني قد جربت موهبتي الكتابية، وعشت تجارب جعلتني متأكداً من جودة صياغتي لغوياً، وقابليتها للاستهلاك، فقد عملتُ مع بعض الشخصيات ذات الثقل العلمي والفكري والأدبي، وكان ما أصوغه من أجلهم ينال القبول والاستحسان في معظم الوقت.. وقد جربت العمل في مساحات عريضة، على امتداد الطيف الكتابي كله تقريبا (عدا كتابة الأغاني تقريباً)، وجربت العمل في الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة.

ولكني كنتُ، حتى ذلك الحين، كاتباً سائباً، يعيش حياته يوماً بيوم، من دون تخصص دقيق، ولا راية واضحة، ولا إستراتيجية من أي شكل.

أن تكتشف أنك كاتب سائب.. ذلك أمرٌ غير محتوم، لأن انشغالك بمزايا واقعك، وانخراطك في جمع الغنائم "التكتيكية" قد يشغلك عن السؤال الضخم: إلى أين أنت ماض؟!

الذي جرى عام ٢٠١٥ كان أمراً واحداً، هو أني جلست أرسم خطة لحياتي المستقبلية، فوجدتني أضع خطة تحتاج سبعة أعمار كي تطبّق، حشدتُ كل ما كان يعجبني في الناس، وجعلتُه في وثيقتي الشخصية: كنت أريد أن أكون مقرئاً، مربياً، رحالةً، كاتباً أديباً، أكاديمياً مختصاً بريادة الأعمال الاجتماعية، ونسيت المهمة السابعة! أرسلتُ تلك الوثيقة التي كنتُ سعيداً بها (كم أنا خجِلٌ لأني كنت سعيداً بها) إلى أحد أساتذتي لأستنير برأيه، فلم يجدها تستحق الالتفات إليها.. وأرسلتها لآخر، فقال لي في نفسي قولاً بليغاً، وأقنعني أني إنسانٌ تائه لا يعرف ماذا يريد على وجه الحقيقة، ويخيّل إليه أنه لو جمع بين السمك واللبن والتمر الهندي فسوف يصبح شخصاً يعرف ماذا يريد!

وكانت تلك الجلسة الموجعة مصداقاً لقول السياب رحمه الله:

لك الحمد.. إن الرزايا عطاء.. وإن المصيبات بعض الكرم!

لقد شغلت حقاً وصدقاً بمحاولة اكتشاف تخصصي، مجال اهتمامي وميدان عطائي القادم.. الذي سأمنحه صفوة وقتي وأقدمه على غيره.. ولقد كانت اهتماماتي كلها حبيبة إلي وأثيرةً علي.. وكان مجرد وضعها في قائمةٍ ومحاولة استبعاد بعضها مهمةً عسيرة.. لكني تشجعت، وصرت متخصصاً، وجعلت مجال اهتمامي هو "القراءة والكتابة"، ثم وجدتُ الأمر واسعاً، فجعلتُه "الكتابة" وحسب.

ومنذ صحّ القرار.. عرفت الفرقَ بين صفاء التركيز وبين كدر الشتات، وبين سكون التخصص وبين صخب التنوع والتعدد داخل النفس.. وعشتُ حياةً رائعة مع الكتابة، صفّيتُ مكتبتي، وغيّرتُ جدولي اليومي، وأعلنت للناس أني لن أكتب بعد اليوم إلا عن الكتابة وحسب.. وظللت على هذه الحال خمس سنوات تقريباً. وكانت حالاً حسنةً، لكنها ليست أحسن شيء، وسأشرح لك ذلك!

التخصص وحده لا يكفي:

 أمضيتُ الوقت من ٢٠١٥ إلى ٢٠٢٠ وأنا مختص بالكتابة، أفيد الناس، وأكتب لهم عن الكتابة مقالات ومنشورات تعجبهم.. وهي نتيجة لما كنت أقرأ، وما كنتُ أتأمل وأتفكّر..

وكنتُ أستقبل طلبات للعمل في مجالات مختلفة، وأكسب قوتي من وراء كتابة ملف أعمال مرةً، ومحتوى حفل تكريمي مرةً، ووثيقة مؤتمر دولي تارة، وأتعاقد مع جهة ما لكتابة مقالات، أو إعداد حلقات إذاعية، أو غير ذلك، وانتقلت في غضون ذلك إلى تركيا، ولم يكن الدخل الناجم عن الكتابة منتظماً، فاستعنت عليه بالعمل في وظيفة ما.. لا علاقة لها بالكتابة، وصرت أمشّي أموري المالية بالتساهيل.

فرقٌ شاسع بين أن تكون كاتباً متجاوزاً للتخصصات، موسوعيةً أو شتاتَ ذهن، وبين أن تكون متخصصاً.. المتخصص أعمق معرفةً بمساحة محددة، وأقرب للإتقان في حقل اختصاصه، وهو يجمع قراء متجانسين، ويفيدهم بلا ريب.. 

لكن ثمة شيئاً مهماً جداً.. هو أنّ التخصص وحده لا يكفي، وأن الأثر الذي يقدمه الكاتب يمكن تقسيمه قسمين:

• ما يفيد الناس ويعجبهم.
• ما يغيّر الناس ويصنع منهم نسخاً جديدة.

ولقد كان ما أكتبه عن الكتابة، وما أقدمه عنها في بعض الظهور الإعلامي المحدود، ينتمي إلى النوع الأول: ما يفيد الناس ويعجبهم!

حتى وقعت واقعة الكورونا.. وصُرفت من عملي، وكنت أسكن على حساب العمل، فكان عليّ أن أبحث لي عن بيت، وكانت رخصة إقامتي على وشك أن تنتهي بعد ثلاثة أشهر، وقد أعلنت الحكومة أنها لن تجددها، فكان عليّ أن أفكّر في مكان أغادر إليه، ومورد للرزق أتأمله.. ولم أجد أمثل من التدريب على الكتابة، فهي اختصاصي منذ ٢٠١٥، وهي مساحة ممارستي الاحترافية منذ ٢٠٠٦، وأنا الآن شبه مشرد وشبه مفلس، وفي حاجة لعمل، وأوشك أن أتحرك حين تنتهي إقامتي إلى بلد آخر، وعليّ أن أمتلك عملي كما يفعل "الرحالون الرقميون" الذين شاهدت عنهم وثائقياً فأعجبتني الفكرة.

ولقد تعلّمت على يد مدرب يساعد أصحاب الخبرات على التحول لأصحاب عمل حر، يعملون من أي مكان.. وقال لي المدرب إن عليّ أن أفكّر في أكبر نتيجة أستطيع تقديمها للعميل الذي سأخدمه، بحيث أجمع له ما يغنيه عن البحث في فتات التوصيات..

وهكذا جاءني الفرج! ودعني أشرح لك التغير الضخم الذي أحدثه هذا المفهوم في حياتي كلها، وفي حياة الناس معي:

لقد كان ما أكتبه مفيداً وقيماً، وكان البرنامج التدريبي الذي قدمته مفيداً وقيماً كذلك.. لكن الفرق كان في تفصيلة واحدة مهمة:

كان ما أكتبه من المحتوى مثل حبات من الخرز.. أما البرنامج الذي قدّمته فقد كان هو حبّات الخرز نفسها، منظومة بخيط، مرقّمة في نسق واحد. تشكّل عقداً إن شئت، أو سبحةً إن أحببت!

كنت إذا دخلت صفحتي وجدتَ منشوراً عن تدوين المشعر، وآخر عن عادة الكتابة، وثالثاً فيه توصية بكتاب أعجبني، ورابعاً فيه تحذير من غلطة يقع فيها الكاتب حين يحرر نصه، وهكذا.. هذه هي حبّات الخرز المنثورة.

أما البرنامج التدريبي فقد كان وصفة شاملة، فيها عشر محطات تعليمية مرتبة، في كل محطة بضعة دروس، ولذلك سميت البرنامج "رحلة الكتابة".. لأنه رحلةٌ بحق، يخرج منها المرء وهو شخص مختلف عنه يوم دخلها..

وهذه الرحلة تمتد ثلاثة أشهر، من القراءة في كتب مقررة، والمشاهدة لدروس مسجلة، والنقاش في لقاءات أسبوعية حافلة، والتدقيق للنصوص التي يكتبها المتعلمون، والاستشارات الشخصية للجواب عن الأسئلة التي يريدون العثور على جواب عنها.  وبرنامج كهذا هو حبات خرز، لكنها منتظمة في عقد بهي،، ولبنات طوب، لكنها مرصوفة تشكّل داراً عامرة.

ولقد تمكنت أن أعيش عيشةً كريمةً من عوائد هذا البرنامج التدريبي، ووجد فيه المتدربون فائدة حقيقية وجدوى ضخمة بحمد الله. 

 الأثر الذي أعنيه:

لا تنس إذن حبّات الخرز، ولبنات الطوب، ولا تنس أن لكل خرزةٍ قيمتها، ولكل لبنة قيمتها، لكن القيمة الكبرى للخرزة في الخيط الذي ينظمها مع أخواتها، والقيمة الكبرى للبِنة في المخطط الذي يرصفها.

هذا الخيط الناظم هو ما أسميه "المشروع الكتابي"، وهو  كتابة محترفة، لقارئ محدد، لها أثر يُلمس، ولها قيمة تُستثمر.

ولكن، كيف يبدو هذا "الأثر الملموس"؟ كيف تعرف أنك توقفت عن نثر الخرز وشرعت في نظم العقد؟

الأثر الحقيقي لمشروعك الكتابي طريق ذو مسارين، أثرٌ يقع عليك أنت ككاتب (يغيرك من الداخل)، وأثر يقع على قارئك (يغير واقعه).

في هذه المدونة، قررت أن أشاركك خريطة هذا الأثر، وأريدك أن تعتبر كل مقالة هنا حبة خرز مصممة لتنتظم في واحد من هذه المسارات الستة المقسومة بيني وبينك، وسأحدثك الآن بإيجاز شديد عن هذه المسارات، وأعدك أن أُفرد لكل واحد منها مقالة مطولة (أو ربما سلسلة مقالات) نفكك فيها أسراره، وما توفيقي إلا بالله.

لنبدأ بأثر المشروع الكتابي عليك:

  • تنظيم معرفتك: بأن "تفرغ" كل ما في ذهنك حول مشروعك الكتابي على هيئة نصوص، فتتبين لك الثغرات التي يعاني منها بنيانك المعرفي، وهي ثغرات ناتجة عن نقص الاطلاع في مرحلة التعلّم، وعن تغيّر بوصلة التخصص لتصبح تجهة نحو خدمة القارئ بدل خدمتك.. وهذا يكشف لك احتياجات لدى من تكتب من أجله، وعليك أن تلبيها له بمزيد من التعلم.

  • تزكية العلم: بأن تنفق ما تعرفه كلّه، ولا تدخر منه شيئاً، بل أنت تقول كل ما تعرفه، كله حرفياً، ودون مقابل.. 

  • تعزيز السلطة العلمية: لأن الإنسان شحيح بطبعه، وأنت كسرت القاعدة وصرت سخياً بما تعرفه، في مساحة فريدة من نوعها، لقارئ محدد، وهذا كله يُكسبك حالة الريادة، ويجعل لكلامك وزنه في وجدان من يتلقاه، لأن كل ما تنتجه هو في حقيقته "إنتاج حصري لا سابق له".

هذا أثر مشروعك الكتابي عليك.. أما أثره على القارئ فعلى النحو الآتي:

  • تقريب الأحلام: وهي ما يريد قارئك المثالي أن يصل إليه، وما ينبغي أن يريد الوصول إليه، وكيف يفعل ذلك.

  • تطبيب الآلام: وهي ما يتألم قارئك منه، وما يؤذيه وإن كان يعجبه، وما ينبغي أن يشعر بخطورته عليه.. وكيف يتوقاه ويبعد ضرره عنه.

  • تصحيح الأوهام: وهي ما يظنه قارئك صواباً وهو غلط، وما يظنه غلطاً وهو صواب، وكل فكرة في ذهنه تجعل منه أقرب إلى آلامه وأبعد عن أحلامه.

هذه الآثار الثلاثة أعلاه هي الآثار الصغيرة التي يجب أن ينتج واحد منها على الأقل عن أي شيء تكتبه ولو كان بمقدار عطسة، لكن الأثر الحقيقي الضخم ليس في حل مشكلات جزئية، ولا تيسير تحقيق أهداف صغيرة، ولا في علاج أوهام صغيرة.

فالمقصود من هذه الآثار الصغيرة الثلاثة: هو تقديم عربون من النفع للقارئ يقنعه بأن يثق بك، وبأن يتبنّى وصفتك الكاملة للتحول.. 

الأثر الحقيقي هو أن تنجح في جعل قارئك شخصاً آخر، وهذا الأثر هو ما اصطلح المختصون على تسميته "التحول"..

أن يكبر مقاس عقل قارئك فلا يعود أبداً إلى وزنه السابق، أن تحقق أعظم نفع يمكنك تحقيقه لقارئك.. ذلك ما كنّا نبغ!

ما سأكتبه لك في هذه المدونة لن يخرج عن هذه المسارات. 

إذا كنت مستعداً لهذه الرحلة، وإذا كنت تريد أن يصلك إشعار بكل مقال يفصل هذه المسارات خطوة بخطوة، فاشترك في القائمة البريدية الآن، فإن أمامنا الكثير كي نبنيه، والله ولي التوفيق.

رسالة واحدة قد تغير مسارك!

كل يوم أربعاء، أرسل مقالاً واحداً دسماً أشارك فيه خلاصة خبرتي في الكتابة، وبناء الجمهور، وصناعة المشروع الكتابي.

جميع الحقوق محفوظة 2026©

رسالة واحدة قد تغير مسارك!

كل يوم أربعاء، أرسل مقالاً واحداً دسماً أشارك فيه خلاصة خبرتي في الكتابة، وبناء الجمهور، وصناعة المشروع الكتابي.

جميع الحقوق محفوظة 2026©

رسالة واحدة قد تغير مسارك!

كل يوم أربعاء، أرسل مقالاً واحداً دسماً أشارك فيه خلاصة خبرتي في الكتابة، وبناء الجمهور، وصناعة المشروع الكتابي.

جميع الحقوق محفوظة - عبدالله بن عمر 2026©