كيف "تجد" قارئك دون أن "تفقد" نفسك؟

تحذير شديد اللهجة في مطلع هذا المقال: إن كنت تظن أن الكتابةَ الناجحة هي التي تجتذب ملايين القراءات؛ فهذا المقال لا يلائمك، وإن كنت تعتبر نفسك كاتباً في مرحلة التمرين وحسب فهذا المقال لا يناسبك كذلك، لأسباب ستعرفها لو واصلت القراءة.
في الشطر الأول من القرن العشرين؛ عاش "جبرا إبراهيم جبرا" طفولته المبكرة في بيت لحم، ودوّن لنا ذكريات طفولته في كتابه الماتع: "البئر الأولى".. ومن هذه البئر أريد التقاط صورة مناسبة جداً لموضوع هذه المقالة.
أريدك أن تعود إلى ذلك البيت الصغير الذي عاش فيه جبرا طفولته، بيتٌ ليس فيه مياه جارية، إن أراد أحد أفراد الأسرة ماءً؛ فإن عليه الذهاب إلى البئر واستخراج قدر من الماء، وهكذا في كل مرة، وقد يتكرر هذا الذهاب للبئر مرات ومرات كلّ يوم.
تخيّل الآن أن مضخة كهربائية رُكّبت فوق تلك البئر، وأن أنبوباً ربط بتلك المضخة وصار أوله في قاع البئر، وآخره في خزان علوي تخرج منه أنابيب تنقل الماء إلى صنابير مبثوث في المنزل.. فلم يعد أحدٌ مضطراً إلى زيارة البئر من بعد.. إذ صار الماء متاحاً بعد عملية هندسية واحدة.
الآن أريدك أن تترك جبرا وبئره، وأن تتخيل أن البئر التي لا بد لنا من استقاء الماء منها هي عبارة عن سؤال: لمن تكتب؟
وأنت بين خيارين:
الأول أن تحدد في كل جلسة كتابةٍ: من هو القارئ الذي تكتب من أجله؟ وهذا يجعلك تشبه جبرا وعائلته الكريمة، التي كانت تضطر لزيار البئر كل يوم عدة مرات..
والثاني: أن تحدد مسبقاً.. لمن تكتب؟ وتجيب عن السؤال، فتكون كمن وضع مضخةً على البئر، ومدّ أنانيب إلى الصنابير.. فلست بحاجة إلى مراجعة السؤال/ البئر كلما جلست لتكتب.
خبرني بربك: أي الخيارين أسهل؟ الأول أم الثاني؟
هناك ثلاثة كتّاب في هذا العالم:
١. من يكتب للجميع.
٢. من يكتب لنفسه فقط.
٣. من يكتب لقارئ محدد.
عليك أن تختار بوعيٍ، نوع الكاتب الذي تريد أن تكونه من بين أولئك الثلاثة، وأن تحسم مبكراً سؤال: من قارئي المثالي؟ لمن أكتب؟ فهذا سيجعل الكتابة أيسر عليك.. ويغنيك عن تغيير إعدادات الكتابة في ذهنك كل حين. لأن تغيير الإعدادات جهد ذهني هائل يبذله ذهنك دون أن تدري، وقد يكون واحداً من عوامل انصرافك عن الكتابة وزهدك فيها.
وسأضرب لك مثالاً واقعياً على قضية جربتها بنفسي:
أعدّ لي صديقي المخرج السينمائي العماني سليمان الحاتمي موقعاً صغيراً لتصوير حلقات يوتيوب، لقد بذل جهداً مضنياً وصرف وقتاً ثميناً في معاينة المكان واختبار الصوت، ثم ترتيب الأثاث، وتحديد موضع الإضاءة، واختبار كادر التصوير وغير ذلك.. فعل ذلك لمرة واحدة، وصار بوسعي أن أسجّل ألف حلقة من المكان نفسه دون بذل أي مجهود فني في إعداد المكان.
تخيّل لو أن المطلوب مني مع كل حلقة جديدة: الاستعانة بسليمان في إعداد موقع تصوير جديد؟ كم هو الجهد الذي سيبذل؟ وكم هو الوقت الذي سيضيع دون عائد يستحق ذلك؟ هذا هو ما تفعله حين تكتب كل مرةٍ لقارئ مختلف، وهو أمرٌ لا بأس به لو كنت لا تزال تمرن قلمك على الكتابة، لكنّ مرحلة التمرين لا ينبغي أن تطول لتبتلع الحياة كلها!
حسناً، أظن أنك الآن مقتنع بأن عليك اختيار نوع الكاتب الذي ستكُونه.. تكتب للجميع، أو تكتب لنفسك وحسب، أو تكتب لقارئ محدد.
وهذه الخيارات الثلاثة كلها معقولة ومنطقية، لأن كل واحد منها يعطيك مكاسب حقيقية، ويكلفك خسائر حقيقية..
وسأفصّل لك مكاسب كل خيار وخسائره، وأحدد لك متى يكون هذا الخيار أنسب الخيارات وأجملها بالنسبة للكاتب في رحلته مع الكتابة:
الخيار الأول: أن تكتب لنفسك فقط:
هذا خيار مريح جداً، وله مكاسب تستحق التأمل:
• حرية مطلقة؛ فأنت تكتب لنفسك فقط، متخففاً من قيود الرقابة، متحرراً من اعتبارا السقوف والتوقعات، تكتب ما شئت، متى شئت، كيف شئت.
• أنت تكتب من أجلك، وهذا يجعل كتابتك أصيلةً وصادقة، لأنك لا تضطر أثناءها لأي لون من ألوان المواءمات كي ترضي أحداً أو تتجنب إغضاب أحد أو تبرر لأحد.
• ستعيش خفة وراحة نفسية، لا أرقام المشاهدات تشغلك، ولا نقد الجماهير ينالك، ولا توتر القضايا الساخنة يزعجك.
• وستكون الكتابة متعة خالصة، إذ أنت تكتب فتنفس عن شعور يجيش في صدرك، أو ترتب شيئاً مبعثراً في دماغك، أو تستكشف أفقاً لستَ على يقين من عواقبه.. كل ذلك وأنت مندمج كما يفعل من ينغمس في هواية كالصيد أو تركيب مكعبات الليغو أو غير ذلك من الهوايات الذهنية التي تغريك بالانغماس إلى ما لا نهاية.
حسناً، هذه مكاسب ثمينة ولا ينبغي لي أن أتجاهلها، لكن القاعدة الفقهية تقول إن الغُنم بالغرم، فكما أن هناك مكاسب.. فهناك تحديات وخسائر كذلك لهذا الخيار:
• لديك أفكار رائعة، ومحاولات مدهشة، لكنك تشبه من يغمز في الظلام، أو يؤذّن في مالطة.. أو يخطب في قاعة فارغة، أو يصنع فيديوهات على يوتيوب لكنها غير مدرجة، لا يشاهدها أحد.
• أنت تخاطب نفسك وحسب، وهذا يحرمك أن تختبر أفكارك بعرضها على القراء، الذين سيطلعونك على مزايا في كتابتك لم تكن تعرفها، أو يجادلونك فيطوّرون ملكتك الناقدة، أو ينبهونك إلى ثغرات في تفكيرك وفي كتابتك لن تدركها إن كنت تكتب وحدك.
• هذا اللون من الكتابة لا يطعمك خبزاً، ولا يسدد فواتيرك، ولا يحررك من وظيفتك التي تكرهها.
وهذه مشكلة!
• رغم الفائدة الذاتية الضخم لهذا اللون من الكتابة؛ فإن أثره -مع كل أسف- محدود، أنت تؤثث مجلساً لا يرتاده أحد!
أن تكتب للجميع:
هذا الخيار نقيض الخيار الأول، وهو يعني أن تكتب للناس أجمعين أكتعين.. دون أن تكلف نفسك عناء التخصص.. ولهذا الخيار مكاسبه المغرية، وهي:
• إن كنت صاحب قلم بارع، ومعرفة ثمينة، واخترت هذا الخيار، فأنت مؤهل لأن تحصد تفاعلاً واسعاً، وتكون رجل علاقات عامة، يعرفك كثير من الناس، ومع المعارف الكثيرة تزداد احتمالات الفرص الناتجة عن قوة الروابط الضعيفة. (سأكتب لك إن شاء الله مقالةً عن كيفية استثمار قوة الروابط الضعيفة في مشروعك الكتابي).
• ستكون واحداً من قادة الرأي العام إن كنت حاضراً بما يكفي، ويمكن لصوتك أن يسهم في أي نقاش مجتمعي تختار أن تخوضه.
• حين تكتب للجميع، فإن حصولك على أفكار الكتابة أمر يسير، وخياراتك دائماً ضخمة، لا يقيدك التخصص الضيق ولا القارئ المحدد الذي تابعك من أجل هدف محدد، ولا يحدك شيء عن الكتابة.. فأنت طليق تكتب عن أي موضوع تشاء الكتابة عنه دون حرج ولا عناء.
• مكافآت عاجلة: هذا اللون من الكتابة يعطيك على الفور تقريباً جرعات من "الدوبامين"، تغذيها الإعجابات المتزاحمة، وإعادة النشر من شرائح مجتمعية مختلفة.
ولكن لهذا الخيار خسائره الموجعة أيضاً:
• السعي وراء عدد "أكبر" من المتابعين يعني الاضطرار للتنازل عن الكتابة العميقة التي لا يفهمها معظم الجمهور، ولا يهتم بها أكثر القراء، وهذا يجعل منك إنساناً سطحياً على وجه من الوجوه.
• ستغدو مدمناً لجلب انتباه الناس بالغرائب والمدهشات، وهذا يؤثر على طريقة تلقيك، ويجعلك إنساناً غرائبياً يسعى وراء "الملفت المثير" مضحياً كل مرةٍ بـ"ـالمفيد الممل".
• ستسمع جعجعةً ولا ترى طحيناً، هذا اللون من الجماهير يمكن أن يصفق لك طويلاً ما دام لا يدفع لك شيئاً، ولا يلام الجمهور على هذا.. بل يلام من يتوقع غير ذلك.
• قابليتك للاستبدال ستكون أعلى من غيرك.. لأنك أصلاً في مساحةٍ مكتظة بالناس، وأنت مضطر لأن تُنافس كثيرين من الأقران على انتباه القراء المشغولين.
أن تكتب لقارئ واحد فقط:
هذا هو أفضل الخيارات، أقولها بموضوعية، رغم أنه خيارٌ له عواقب وتحديات أيضاً..
لنبدأ بالمكاسب:
• أنت هنا تحقق أثراً أضخم، وتشعر بمعنى أعمق.. لأن قارئك لا يأتيك كي يتسلى أو يضحك، إنما يجيئك وهو يتألم ويتوجع، يبتغي عندك حلاً لمشكلته، وتغييراً لواقعه، وهذا يجعلك تكسب قارئاً موالياً وشاكراً بعمق.
• حين تختار قارئاً واحداً وحسب، وتخصصاً محدداً محدوداً، فإنك ستنتقل من خانة "المهرّج والمسلّي وصانع المحتوى" إلى خانة "الخبير والمرشد والمعلّم" الذي يُحسب لكلامه ألف حساب في مجال اختصاصه.
• وستحتفظ بعمقك، وتتمادى في اختصاصك، متوفراً على كرامةٍ وعزة، لأنك تعلم أن قارئك موجود.. وهو من يطلبك بدل أن تطلبه.
• وأنت هنا تبني مشروعاً يعيش طويلاً، بل يعيش أطول منك، فنصوصك كلها -تقريباً- أصولٌ طويل الأجل، وليست وقوداً سرعان ما يحترق خلال ساعات أو أيام قليلة، وقراؤك مستعدون أن يدفعوا دم قلوبهم من أجلك.
ولكن الأمور ليست وردية مع هذا الخيار..، أقولها لك دون خجل، اقرأ الآتي واعرف ما ستواجهه حين تختار أن تكتب لقارئ محدد:
• ستواجه كثيراً من الشكوك الذاتية في البدايات، فأنت تصنع الفلك في أرض يبس، وكلما مرّ عليك ملأ من "صنّاع المحتوى" سخروا منك، لأنك تفعل عكس ما يفعلون تماماً، هم يكلمون الجميع وأنت تجاهر بأنك لا تريد من الجميع إلا القليل من الناس، وهذا أمر قاس، ويبدو -للأسف- أنه لا سبيل آخر.
• هذا خيارٌ يستنزفك نفسياً، لأنه يطلب منك التخلي عن إحساس الأمان الذي يلازم الكاتب المتنوع.. ستضطر أن تقول "لا" لفرص حقيقية، ولجمهور عريض، وستجد، وأنت تعتصر ألماً، أن قراءك أخذوا يتقلصون بدل أن يزيدوا، ورغم ذلك تحدو: ماضٍ وأعرف ما دربي وما هدفي!
• وهذا المشروع مجهد في تأسيسه ويلقي عليك ثقل مسؤوليةٍ ضخمة، لأنك لن تعود كاتباً مزاجياً، ولن يحتمل الحال أن تتغيب طويلاً عن قارئك، ولا أن تكتب له "أي حاجة"، ولا أن تقدم له طبقاً لم ينضج بعد!
• وأزيدك خامسةً هي أثقل من كل ما سبق: ستواجه متلازم المحتال، وستسأل نفسك يوماً بعد يوم: هل أنا جدير بما يكفي لفعل هذا؟ أم أنا كذاب أشر؟
أي هذه الخيارات أنسب لي؟
قد يكون الخيار الأول (أن تكتب لنفسك) هو الأنسب لك في ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون مبتدئاً، أي: لا تملك من مقومات التأهيل اللغوي والمعرفي إلا أقلّ القليل.
الثانية: أن لا تكون الكتابة مجال عطائك المركزي ولا قريباً من ذلك. (وفي هذه الحالة فسيكون من المدهش أصلاً أن تطالع هذا الموقع).
الثالثة: أن لا تكون لديك عوائق دون نشر ما تكتبه، ولا تكون بك حاجة إلى الارتزاق بالكتابة.. فتكتب لنفسك، وتنشر نسخة لمن يهمه الأمر، فإن كان قراء فأهلا بهم، وإن لم يكن من قارئ لم يضرك شيء.
والخيار الثاني (أن تكتب للجميع) هو الأنسب لك في حال كنت تريد استكشاف السوق، كما يفعل القائد العسكري حين يستطلع قدرات عدوّه بعملية حقيقية لكنها محدودة. لكن عليك أن تضع أمداً زمنياً معيناً كي تنتقل إلى الخيار الثالث، كي لا يضيع عمرك في معارك صغيرة.
أما الخيار الثالث؛ (الكتابة لقارئ محدد) فهو الأفضل لك ما دام عندك مستوى جيد من التأهيل اللغوي، ومستوى جيد من التأهيل المعرفي. إذا اخترت هذا المسار، والتزمت به لعام واحد فقط، أعدك أنك لن تضطر للبحث عن قراء مرة أخرى.. بل هم من سيبحثون عنك.
وسأخبرك لماذا.
أجمل ما في الخيار الأول أنه يجعلك تحتفظ بعمقك ونفَسك، وأجمل ما في الخيار الثاني أنه يجعلك مؤثراً.
أما الخيار الثالث، فهو يجمع لك الحسنيين وزيادة، يحافظ على عمقك، ثم يزيده ويرسخه، ويصنع لك أثراً، ثم يباركه ويعمّقه ويطيل عمره.
ولهذا أقول لك: إن الكتابة لقارئ واحد، واحد فقط، هي أفضل شيء يسديه الكاتب إلى نفسه، إنه ما يجعلك خبيراً، ويزيدك تعلماً، ويعطيك أثراً عميقاً، ويتيح لك رزقاً كريماً، وبوسعك أن تفعل ذلك كله دون أن تصبح نجماً يُتداول اسمه على كل لسان فتفقد حرّيتك وحقّك في أن تعيش عيشة طبيعية لا يعرفها المشاهير. (كن بالقرب لأني سأكتب لك مقالةً عن الفرق بين أن تكون مشهوراً وبين أن تكون معروفاً)
أن تكتب لقارئ محدد، هذا هو الخيار الوحيد الذي يجعل من كتابتك مشروعاً يعيش بك، وتعتاش منه.. وأظن أن هذا سيجعلك حريصاً على متابعة هذه المدونة.. لأن هذه المدونة بأكملها، ما هي إلا تطبيق عملي لهذا الخيار الثالث..
لقد اخترت قارئي المحدد، وهو أنت.
